
-
لأني أتقنُ دور الفتاة التي تُحاول أن تتمكن من قتل جبروت الغياب
مُتقنة لدوري جيداً , حين أقتلع أنفاسي من جذورها لكي لا أحدث
صوتاً يقلق من حولي , لأن من يستطيع سماعي بعيد ولا يقدر على
تخطي المسافات التي تفصلنا لـ يستمع لثرثرتي التي تستمر حتى وقتٍ
مُبكر من الصَباح , صُورته مازالت تخنقني , صوته وهو يوقظني
لأجل أن أصلي قبل أن تطلع الشمس من مشرقها , وقبل أن ينتهي
وقتُ الصلاة , يلزمني الكثير من الوقت لـ أسحب أنفاسي وأفتح عيني
من جديد , واليوم .. أنا من يوقظ نفسي بنفسي .. بل أتقنت دور ” أبي “
جيداً ويلزمني أن أوقظ الجميع , أمي ومحمد وباقي الصبيةِ الصغار !
في هذه المرة أصبتُ بشيءٍ أكبر , أكبر من كلمة أمي وهي تقول لك
في سفراتك الماضية حين تتصل : حصة تحتاجُ للمستشفى !
هي مُتعبة , تحتاج لعنايةٍ أكبر , وهُناك أذهب وأقع تحت رحمة بشر
والآن لم أعد مُزعجة كما السابق , أنا بخيرٍ جداً أنا في حالٍ يتمناها
الكثير , ولكنِ أصبتُ بشيءٍ أكبر , أكبر من كلمة إحتياج لـ أطباءٍ أو عناية
أكبر من صوتِ أمي وهي تسهر فوق رأسي ولا تهدأ , أحتاجُ وجودك يا أبي
أحتاج أن أقتل غيابك بنفسي , أن تعود سريعاً كما المرات السابقة !
أن لا تلبث هُناك طويلاً , أن تفتح الأبواب المؤصدة بعدك , أن تُمزق أيام الغياب
وتعود !
” أبي “
تميم مازال يتذكرك , يتذكر صورتك حين أزوده بماءٍ يبقيه على حياة ,
ماء وجهك الذي نرتوي مِنه , أعطيتهُ صورة جواز سفرك القديمة , تذكرك
فوراً وهو يضحك وكأن الدُنيا بين يديه : بابا !
أو تعلم يا أبي أن كُل الرجال ” بابا ” بالنسبة لـ تميم الصغير ,
هو يعلم أن كل الأوجه ليست أنت لكنهُ يوهم نفسه , يضع صبراً أمامه !
مُبهرٌ أنت يا صغيري : )
ومهند ذلِك الصبي المُزعج الذي بات لا يهذي إلا بِك ,
اتصل بِك كثيراً , ليسألك عن أخبارك , صغيرٌ هو على أن يفهم معنى
الحياة بدونك !
في غيابك قررت أن أطوي مسافات الرحيل , أن أرسل للجبال الباردة
التي تتكلم عنها لأمي , أن أعطيك القليل من دفء الوطن يا أبي ,
ولكي لا أستمر في الإنصات من خلف فتحة الباب المضيئة ,
وأفتح لنفسي شهية للحُزن التي لا تشبع , وأطعمها بـ آخر الأحاديثِ عنك !
أو تعلم يا أبي أن سفرك هذا علمني معنى أن أفقدك , معنى أن أتشبث بِك
لـ أجل أن تبقى على الحياة وأنا أرحل , جعلت غرفتك ملاذاً وحيداً يأويني
بغيابك , أنامُ بها وأنا أرسُم الصور التي نسيها الجميع سواي !
أتلمس كُل يوم الزوايا التي مررت بها , جلست بها , تحدثت أو ضحكت ,
كلها تحفظك جيداً , أيدينا خاوية عدا من تلمس عودتك يا أبي
ذاكرتُنا , أحلامنا مُعلقة بسقف عودتك يا أجمل النعم التي أعطانا إياها الله : )
حاولت أن أكتشف السماء في الرياض , السماء بدون نبضك يا أبي , السماء
التي تحفظُ سقف حياتِنا , تغيرت بعدك لم أعُد أبصر لا نجمٍ ولا قمر , لا شمسٍ
ولا مفر , أبصر صورتك تتجلى في كبدها , تنقشع ثُم تعود , وأنا أتصارع مع مساء
لـ أبقيك لأبقي كُل ملامحك حتى ترجع وتتنفس أُكسجين سمائِنا المُختلف
لتوي عرفت كيف تذبل الأوراق , كيف تنتهي الصور , بُعد أصحابِها وراء ذلِك
وَ غيابُك وحده إستطاع أن يحطمني , أن يبعثر وجودي الذي ماعدا يعنيني
وحده من يزيد شرنقة التعب , وينهيني , ويبتدي بي مرةً أُخرى , لأن بوجودك
حياة , وَ وطن : )
الأسبوع المُقبل ستحفل الرياض , وأرضها لتضُمك من جديد
رعاية الله تحفك حتى تعود يا أبي من سفرك , نشتاقُك جداً ![]()
مُفترق :
كتبتها في الساعة 3:40 دقيقة فجراً , أعلم أنه وقتٌ غبي جداً في التفكير
ولكن الحنين , الحنينُ القاتل يُحطم الأبواب , الخواء , ومسافات الغياب , ويُبكيني !
ابنتُك : حِصة : )







