
ثم قلبتً الصفحة قرأت باب “ طوق الياسمين ” بحثت عبثاً عن النهاية السبعون صفحة التي تلت هذا العنوان كانت عذراء و فارغة صفرة الأوراق توحي بأن شيئاً خُط وتلف مع الزمن فلون الأوراق التالية للسبعين صفحة بيضاء . ربما كان الباب الوحيد الذي لم يستطع فتحه كان دائماً يقول على لسان معلمه وسيده الأعظم : إنه أصعب الأبواب الباب الذي يأتي بعده النور الذي يغشى الأبصار وقد ذكر في الكتاب الكريم والله أعلم . البرد وعزلة المقابر عشرون سنة من المحاولات اليائسة لنسيانك يا مريم … أنا لا أعرف سوى الكتابة عن امرأة لم يعرف قلبي المهبول سواها .
“ طوقُ الياسمين ” رسائل في الشوق والصبابة والحنين . لـ الكاتب الروائي الجزائري واسيني الأعرج .
رسائلٌ الشوقُ التي ترسلها الرُوح من قلبٍ إلى قلب وَ أوراق الزمان العابثة بين خبايا القدر و موت بقي يلوح بين تلك الرسائِل الصفراء هو باب طوق الياسمين الذي رسم حكاية حُب بين أرواح بقيت الحياةُ تتخبطُ بهم لـ تفرق الدروب التي ساروا عليها ثم يبتدي هذا الدربُ الطويل إلى أن ينتهي بــ الموت وهو البابُ الأقربُ سبيلاً لــ إنقطاع الدرب .
طوقُ الياسمين حياة رسمت بجُعبتها أبطالاً حاولوا جاهدين القُرب رُغم عتمةِ الطريق ورُغم إمتلاك الغير لــ قلوبهم العاشقة قتلوا كُل مــا سدَ بابهم العظيم لـ يقتربوا أكثر من باب “طوقِ الياسمين ” حتى ذُبل زهرة وَ انطوت صفحاتُه المُمزقة
“ سيلفيا “ الصديقةُ الوفية وعائقُ طريقها أن ديانتُها المسيحية لا تسمح بالإرتباطِ بالمسلم “ عيد عشاب “ وَ رفضُ والدها الذي أخفى مفتاح الموضوع وَ أنهاه بــ وجه عيد عشاب حتى ضمه الموت وَ بعدما نهش حُلمه وحلم سيلفيا بعد المحاولاتِ اليائسة من الإرتباطِ .
وَ مريم لبابةُ الروايةَ وبابه الذي لم ينتهي بعد أحبها الوحيد كاتبُ “ طوق الياسمين“ وَ طوق دربه بــ درب صديقة “ عيد عشاب “ ولم ينتهي الدربُ إلا بعد أن رماه على طريقِ الغربة وَ أودع مريم على باب “ صالح “ الذي قدم غريباً بين قلوبهم العاشقة .
مريم عاشت كـ الضائع بين اطواق النجاة في البحر العظيم عاشت ببيت والدها القاسي ومع والدتها الحنون الذي فتك بها المرض بعد مغادرةِ مريم المنزل لـ أحوال الدراسة وَ بعد اليأس الذي إحتل اختها ” خيرة “ وَ ألتجئت للإنتحار بعد محاولاتِ يائسة لـ إصلاح الحياة ولكن القدر كان الأقوى !
رسائل غدقت بــ الحنين وَ طارت مع الريح لـ تسلمها أصحاب قلوبٍ نابضة بعيدة عن عمقِ الـحـيـاة المتعجرف بــ “ الموت “
- لماذا لم يكتب شيئاً في باب ” طوق الياسمين ” وهو الذي كان يعرف المكان جيداً ويتمنى أن يموت على عوامة مثلما فعل شيخه الأكبر أو سيده الأعظم : محي الدين بن عربي عندما سدت الدنيا مغالقها في وجهه ؟ عيد ترك هذا الباب الأبيض ربما لأن القدر لم يمنحه بعض الوقت للعبور نحو هذا الباب .
رائحةُ القبور وأموات وَ رحيل عاشقين من أسوارِ الحياة “ مريم وعيد عشاب ” رحلوا تاركين خلفهم ذكرى أوراقهم ورسائلهم وَ أصحاب تذوقوا مرارة موجعة بعد رحيلهم وبعد إنغلاق باب “ طوق الياسمين “ الذي فتحا باب العبور له .
وعلى ضِفاف بدايته كُتب :
سيلفيا ؟
هي هي لم تتغير كثيراً . كانت واقفة على القبور المنسية , مختبئة في المانطو الداكن الفضفاض وعلى رأسها قبعتها السوداء وشاش خفيف كان يغطي وجهها بالكامل , مثلما تعودت أن تفعل كل يوم جمعة منذ قرابة العشرين سنة . لم تكن هناك من أجلي ولكنها تنتظرني . جورج أخوها , عندما سألته عنها البارحة , أخبرني بطقسها الأسبوعي وأخبرها بوجودي في هذه المدينة التي شهدت إنطفاء الذين نحبهم ونصر على ألا ننساهم رغم العزاءات الفاشلة ورغم غوايات الدنيا .
مريم ؟
بقايا الأبجدية المستحيلة , هل تدرين ؟
بعد عشرين سنة لم أفعل شيئاً مهماً سوى البحث عنك . أعود إلى هذه المقبرة التي صارت اليوم وسط المدينة بعد إمتداد العمران بشكل جنوني إليها , على هذه الشاهدة الصغيرة التي كتب عليها كما اشتهيت في وصيتك :
“ ضيقة هي الدُنيا . ضيقة مراكبنا . للبحر وحده سنقول , كم كنا غرباء في أعراس المدينة “
و أصاغ بكلماته عن رسائله التي يعبق شذاها لـ العاشقين
- “ نَكتُب لأنَّ الكائن الذي نُحب ترك العتبة وخرج وَنحنُ لم نَقُل لهُ بعد ما كُنَّا نشتَهي قولُه “
…
- “ طوقُ الياسمينْ ” منبثق الأبجدية ومنبعها إلا أن هناك نصوص خارج الحُدود .
- إلى التي أهدتني سحراً أبجدياً لـ أقرأه شكراً لا يليقُ إلا بكِ يا إبنة خالي خُرافة