زمني يعاندني ويخطف ما أريد , حزني كسر ظهري قيدني بحديد !
-
لأجل أن أكون بخير , ولأجل أن أكمل حياتي وأنا على ما يرام !
أبدأ من حيثُ نزلت, بسم الله الرحمن الرحيم إلى أن أنتهي وأنا أُردد والحمد لله ربِ العالمين !
مادُمت على ما يرام , ومادمتُ أرى وأسمع وأبصر فلم أصل إلى ( صُم بكمُ عميٌ فهم لا يفقهون ! )
منذُ أن تنفستُ مزيداً من الأُكسجين منذُ أن سمعتُ ما أُذِّن في إذني وأنا لا أفقه ,
منذُ أن كبرت وأنا أرقب أمي و أبي إلى أن أبصرتُ نفسي !
رُبما كان الشيء الوحيد الذي أجهله هو المستشفى .. كان مقر رُعبٍ، لا أُحبه
” مازلتُ أحتفظ ببقايا عقلي مازلتُ أعيش حياتي صامِتة أتألم لـنفسي وأبكي لـنفسي أجهل آلامي وألتفت لـ أحلامي “
كبرت حتى أتممتُ الخامسة عشر وقاعدتي ترتكز على أوجاعي التي لم أجد لها مصير , ولا بصير !
إلى أن حلمتُ ذات ليلة باردة لم أدفأ بها أبدًا .. وأنا أنامُ في حضنِ السماء وبين رفافِ الأرض القاسية ,
أمسك بيدي غريب , غريبٌ همس لي ورحل !
ستتغير حياتُكِ في سنتكِ التالية مُباشرة !
لم أؤمن بهذا فكيف أنتقل من تاج صحتي إلى أقحوانةِ وجعٍ ذابِلة!
كيف !
وما زالت الأسئلة تشغُلني وتُشغل حيزًا من تفكِيري إلى أن أتى اليوم الذي تساوت فيه الدُنيا
على رأسها بين دمعاتِ الدافِئة التي احتبست ولم ترَى النُور , لأن تعبي لا يسمح لها بأن تسقُط !
لم أزل أتذكر حينما صعدتُ بخطواتي الصغيرة نحو سُلم السادسة عشر وعلوتُ بذاتي لأني ببساطة أصبحتُ أكبر من ذي قبل !
وبعد ذكرى يومِ ميلادِ وبعد أن شارفت شهقاتِ أرض المستشفى وأيقظتُ كل من وجفت عيناه , أقبل ديسمبر
وهو يعدني بالتغيير الذي سيحدثهُ في حياتي !
وزفيتُ للمستشفى في ليلةٍ باردة , في ذات الدقائق التي حلمتُ بها قبل سنة !
كانت العملية بسيطة كـبساطة وجعي بالنسبةِ للجميع .
بسيطة كـبساطة بكائي كـالعُصفورِ المكسُور لأن عُشه امتلأ بالمطر امتلأتُ بالأجهزة ,
بالأشياء التي لم يسبق لي عهدُ بيني وبينها بـكماماتِ الطبيب حين وقف فوق رأسي وهو يركب جهاز القلب !
وبـالطُلاب الذين حلقوا كـدائرة وهم ينظرون لـدرسهم الجديد وحين كُنت أعدُ حجارة السقف المُقسمة أجزاءً صغيرة
جاءني الطبيب وهو يهمس : استنشقي بـقوة لـيضع الأكسجين مع كمية المخدر التي يحملُها حاولتُ المُقاومة أكثر
وأنا أُتابع عد الحجارة إلى أن وصلت لـعددٍ نسيتُه حِين حاولتُ أن أغلُب على النعاس , وأغمضتُ عيني بين بياض الأسرّة
التي أتنقلُها إلى أن استيقظت وأنا أٌقاوم نفسي الذي شعرتُ بـانقطاعه عن جسدي !
وطويتُ تلك الأيام المُحملة بغبار كُل السنوات الماضية .
والآن أدخلُ الشهر الرابع من العملية .. وما زال اسمي يتردد في تلك المدينة الطبية !
فهل من علاجٍ أجدُه ! ما زلت أحتفظ ببقايا كُل العيادات ( الجراحية – وعيادة الألم – وعيادة النساء ..آلخ )
ورُبما كل عيادة في المستشفى ألقيتُ عليها نظرة عابثة طفتُ بها إلى أن حفظت أجزاءها الصغيرة !
كل أسبوع لا أرتاحُ فيه أخرج من المدرسة إلى المستشفى وأحياناً أنسحب من الحِصص المدرسية لأجل موعد أذهب
لأجله ثُم أنتظر ساعة أو ساعتين وأدخل على الطبيب ولا جديد بل من إشاعة إلى أُخرى ومن طبيب إلى آخر !
نُقلت في المدينة الطبية من المستشفى العام إلى النساء , وانتظرت ثلاثة أيام حتى توافق
أهلية العلاج على قبول علاجي في المستشفى الجديد ! أتاني صوت الكمبيوتر وهو يردد مساء
الأمس : (تم قبول حالتك للاستفسار الاتصال على ….! )
وكـالعادة انسحبتُ من آخر حصصي المدرسية وذهبت ! كان المكان مُزدحماً كـالأشياء المخبأة في داخلي
أصواتُ النساء وبُكاء أطفال و أنا أنظر مرة لـغرفة الطبيب ومرةً إلى باب الطوارئ الذي دخلتُ مِنه , كان فارغاً لا يحوي إلا النساء
اللاتي بسطن الأرض فراشًا لهُن لأنهن قضين ساعات في الانتظار ولا جدوى !
وأنا ما بين ساعتي التي أحسبُ بها الدقائق وما بين الباب الخلفي ” باب الطوارئ ” الذي يطلُ على الحديقة الصغيرة !
دعتني أمي بأن نجلس هُناك , لم تكمُل رغبتي بأن أترك نظراتي المعلقة بباب غرفة الطبيب وأخرج ,
بقيتُ واقفة أنظر لمن جاء من أقصى المدينةِ يسعى !
بقيت حتى جاء دوري وَاستقريتُ في أحد العيادات الذي أعطاني الطبيب فيها ثلاثة مواعيد في أسبوع !
: الأولى إشاعة صوتية , والأُخرى تحاليل ونتائِج , والأخيرة عملية جراحية لاستخراج الألم !
أو بالأصح التجول في بطني الذي أصبح كـلُعبة يجول به كُل طبيب وهو يعطيني علاج مُختلف .
ألقت أُمي سُؤالها لـ الطبيب الجديد :
وماذا ستفعلون بالعملية !
وهو يجيب بإيماء رأسه وينظر إلى ملفي القادم من العيادة الأخرى
: سنبحث عن الألم !
سأخففُ العبء على نفسي .. سأكونُ أكثر ثقة , فبعد تعبي في هذه السنة جُلب لي كُل الأشياء
التي لم تدخل في حياتي قط !
أصبحتُ أكثر ثقة في ممرات المُستشفى الهادئة في الصباح .. أحببتُ المُمرضات وصادقتُ المُراجعات ,
اعتدتُ على قهوة المُستشفى الدافِئة والمليئة بالسُكر وَ كأني أعوض ما يسقطُ
مني حِين أرتشفُها في كُل مرة تمتدُ ظلالُ موعديِ إلى ساعاتٍ مُتعبة ولكن نفسي من يعيدُ لي
صحتي والآلام تعودُ لي كُل صباحٍ وأجزم أني بخير !
أنا بخير جداً فعلاً بخير أمام الكثير !
رُبما أصبح الألمُ الداخلي أعظمُ من ملامحي التي بدأت تختفي تحت رائحةِ المُسكنات !
عرفتُ أسئلة الأطباء , أصبحتُ أجيب أفضل من المرة السابقة !
أصبحتُ أكثر جراءة عرفتُ التخاطب معهم أكثر !
على عكسِ المرةِ الأُولى التي كُنت أنظر بها لعيني أمي وأنا أبتعد عن نظراتِ الطبيب
وأسئلته المُبعثرة حولي !
إلى هذه اللحظة أعود إلى نفسي و أعودُ لـ نظراتِ أبي كُلما دعيتُ إلى مراجعةٍ جديدة
وإلى عيادة جديدة , وطبيب جديد , وتشخيصُ مختلف ! ” نحنُ أفضل من غيرنا يا ابنتي “
اقتربتُ من الله أكثر لأني كُنت أعلم أنه قريب جداً , وينزل إلى السماءِ الدُنيا ونحنُ نكرس سجداتِنا
بالدعاء وبعضِ الدمعات التي لم تجد لها مستقراً بعد وَإلى أن أصبح مِنا الدُعاء .. ومنه الإجابة !
أنهي رسالتي إلى نفسي قبل كُل شيء وأنا أُردد :
” أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ “
-
لأجل نفسي التي تحلُم وتقف تحت وطأة الواقع
ولأجل أن أعود لكُم وأنا أرفلُ بالصحةِ
ولأجل أمي وأبي الذين ما زالوا معلقين بين السماء والأرض
أرسلوا دعواتِكُم إلى السماء (ستصلنِي الإجابة صدقُوني ) . 
-
حصة العبدالعزيز 